تغيرات هيكلية في حساسية الاقتصاد لصدمات الطاقة
كشفت دراسة حديثة أجراها بنك الاحتياطي الفيدرالي في بوسطن عن تحول جذري في كيفية استجابة الاقتصاد الأمريكي لتقلبات أسعار الطاقة. فبينما كانت أزمات النفط في السبعينيات تؤدي إلى شلل اقتصادي وتضخم جامح، يبدو أن الاقتصاد الحالي قد طور "مناعة" نسبية تجاه هذه الصدمات.
وتشير الدراسة إلى أن المرونة الحالية تعود إلى تنوع مصادر الطاقة وزيادة كفاءة الاستهلاك، بالإضافة إلى تحول الولايات المتحدة إلى منتج رئيسي للطاقة، مما يقلل من الفجوة بين التكاليف والإنتاجية التي كانت تعصف بالأسواق سابقاً.
مقارنة تاريخية: السبعينيات مقابل العصر الحديث
أوضحت الدراسة أن صدمات العرض في السبعينيات كانت تؤدي إلى ارتفاع فوري في تكاليف الإنتاج والأسعار النهائية للمستهلك، مما يضع صناع السياسة النقدية أمام معضلة الموازنة بين كبح التضخم ودعم النمو. أما اليوم، فإن التأثير المباشر لارتفاع أسعار الوقود على التضخم الأساسي بات "أقل حدة ووضوحاً".
وتعود أسباب هذا التحول إلى عدة عوامل جوهرية رصدها خبراء الفيدرالي:
- ◆الانخفاض الكبير في كثافة استخدام الطاقة مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي.
- ◆تطور تقنيات الحفر والإنتاج التي جعلت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط والغاز عالمياً.
- ◆استقرار توقعات التضخم على المدى الطويل، مما يمنع الأسعار من الانفلات بمجرد ارتفاع فواتير الطاقة.
دلالات الخبر لصناع السياسة النقدية والمستثمرين
هذه النتائج توفر لبنك الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر للمناورة. فإذا كانت صدمات الطاقة لم تعد تشكل تهديداً وجودياً للاستقرار السعري كما كانت في السابق، فقد يميل البنك إلى التمهل في تشديد السياسة النقدية عند حدوث ارتفاعات مؤقتة في أسعار النفط العالمية نتيجة للتوترات الجيوسياسية.
بالنسبة للمستثمر، تعني هذه الدراسة أن تقلبات أسواق النفط، رغم أهميتها، قد لا تكون المحرك الأساسي لأسواق الأسهم والسندات كما جرت العادة. التركيز يتحول الآن نحو "التضخم الهيكلي" الناتج عن قطاع الخدمات والوظائف، وليس فقط تكلفة برميل النفط.
نظرة على السياق العالمي والمخاطر المتبقية
على الرغم من تفاؤل دراسة فيدرالي بوسطن، إلا أن المشهد لا يخلو من المخاطر. فبينما تراجعت التبعات المباشرة، تظل "تأثيرات الجولة الثانية" محتملة، وهي الحالة التي ترفع فيها الشركات أسعار خدماتها للتعويض عن تكاليف النقل والخدمات اللوجستية المرتفعة.
كما أن هذا الاستنتاج قد ينطبق بشكل أكبر على الولايات المتحدة وربما بدرجة أقل على الاقتصادات الناشئة التي لا تزال تعتمد بشكل مفرط على استيراد الطاقة، مما يخلق تبايناً في الأداء الاقتصادي العالمي.
ما الخطوات القادمة للسوق؟
من المتوقع أن يراقب المتداولون في الأسابيع المقبلة كيف ستترجم هذه الدراسة إلى خطابات أعضاء الفيدرالي. إذا تم تبني هذا المنظور بشكل رسمي، فقد نشهد تغييراً في نماذج التنبؤ بالتضخم، مع تخفيف الوزن النسبي لتقلبات الطاقة في حساب التوقعات المستقبلية للفائدة.
إن تقليص الارتباط بين أسعار الطاقة والنمو الاقتصادي هو شهادة على مرونة الاقتصاد الأمريكي، لكنه يضع عبئاً إضافياً على المحللين للبحث عن المحركات الحقيقية الجديدة للتضخم في اقتصاد رقمي وخدماتي بالدرجة الأولى.
