لغز العوائد المرتفعة رغم تدخلات الخزانة
شهدت الآونة الأخيرة تحركاً لافتاً من قبل وزارة الخزانة الأمريكية التي قررت مضاعفة عمليات إعادة شراء السندات لتصل إلى 4 مليارات دولار، في محاولة لضخ السيولة ودعم استقرار السوق. ورغم هذه الخطوة التي تهدف عادة إلى خفض تكاليف الاقتراض، إلا أن عوائد السندات طويلة الأجل استمرت في الزحف نحو الأعلى. هذا التناقض يضع المستثمرين أمام تساؤل جوهري: هل الارتفاع الحالي هو علامة على نمو اقتصادي صحي أم أنه نذير شؤم ناتج عن عجز مالي متفاقم؟
بالنسبة إلى المستثمر الخليجي، فإن هذا التحرك ليس مجرد شأن أمريكي داخلي؛ فالعلاقة الوثيقة بين الدولار الأمريكي وعملات المنطقة مثل الريال السعودي والدرهم الإماراتي تجعل من تقلبات السندات الأمريكية عاملاً حاسماً في تحديد توجهات السياسة النقدية التي يتبعها البنك المركزي السعودي (ساما) ومصرف الإمارات المركزي، مما يؤثر مباشرة على تكلفة التمويل للمشاريع الكبرى.
الأسباب الهيكلية وراء صعود العوائد
لا يمكن حصر ارتفاع العوائد في سبب واحد، بل هو مزيج من ضغوط العرض والطلب والمخاوف الجيوسياسية. يمكن تلخيص العوامل الضاغطة في النقاط التالية:
- ◆تضخم العجز المالي: استمرار الحكومة الأمريكية في تسجيل مستويات عجز مرتفعة يتطلب إصدار كميات هائلة من الديون الجديدة، مما يزيد المعروض من السندات ويضغط على أسعارها نزولاً (وعوائدها صعوداً).
- ◆مخاوف التضخم المستدام: رغم تباطؤ التضخم، إلا أن الأسواق لا تزال تخشى من موجات ارتدادية، مما يدفع المستثمرين للمطالبة بـ "علاوة مخاطر" أعلى للسندات طويلة الأجل.
- ◆تغيير سياسات البنوك المركزية العالمية: تراجع الطلب من مشترين تقليديين كبار مثل اليابان والصين يقلل من السيولة المتاحة لامتصاص الإصدارات الأمريكية الضخمة.
الانعكاسات على أسواق المال في الخليج
تتأثر أسواق الخليج بشكل مباشر بارتفاع عوائد السندات الأمريكية عبر قنوات متعددة. فعندما ترتفع العوائد في الولايات المتحدة، تزداد جاذبية الأصول المقومة بالدولار كاستثمار آمن وذي عائد مجزٍ، مما قد يؤدي إلى تخارج جزئي للسيولة من الأسواق الناشئة والمبتدئة بما فيها سوق دبي المالي وبورصة قطر.
علاوة على ذلك، فإن الشركات القيادية مثل أرامكو السعودية وسابك، التي تعتمد جزئياً على أسواق الدين العالمية لتمويل توسعاتها، قد تجد نفسها أمام تكاليف اقتراض أعلى. كما أن الضغط على التقييمات يمتد ليشمل القطاع البنكي؛ فرغم أن ارتفاع الفائدة يعزز هوامش الربح لبنوك مثل بنك الراجحي، إلا أنه قد يحد من نمو الإقراض العقاري والتجاري.