فخر الأكاديمية وصدمة الواقع المالي
تتباهى المؤسسات المالية الكبرى، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بضم نخبة العقول الاقتصادية في العالم. ففي أروقة البنك المركزي الأمريكي وحده، يعمل أكثر من 400 خبير يحملون درجة الدكتوراه في الاقتصاد، مهمتهم تحليل البيانات ورسم مسارات السياسة النقدية. ومع ذلك، كشفت أحداث السنوات الأخيرة عن فجوة هائلة بين التوقعات الأكاديمية وحقيقة الأسواق.
في أبريل 2021، وبينما كانت أسعار المستهلكين تبدأ رحلة صعودها الصاروخي، طمأن هؤلاء الخبراء الجمهور بأن التضخم "عابر" ولن يدوم. لكن الواقع كان مغايراً تماماً، حيث استمر التضخم في الارتفاع ليصل إلى مستويات قياسية لم تشهدها الولايات المتحدة منذ أربعة عقود، مما أثار تساؤلات جوهرية حول جدوى هذه النماذج الرياضية المعقدة في التنبؤ بالأزمات.
لماذا يفشل خبراء الاقتصاد في التنبؤ؟
الأزمة ليست في نقص البيانات، بل في طبيعتها. يعتمد الاقتصاديون في المؤسسات الكبرى على نماذج "توازنية" تفترض أن الأسواق ستعود دائماً إلى حالة الاستقرار. ومع ذلك، تتجاهل هذه النماذج غالباً عوامل بشرية وجيوسياسية لا يمكن قياسها بالمعادلات الصعبة.
- ◆الاعتماد المفرط على الماضي: التوقعات تبنى على بيانات تاريخية قد لا تتكرر في ظل ظروف استثنائية مثل الجائحة أو الحروب.
- ◆الانحياز الفكري: غالباً ما تتبنى المؤسسات الكبرى "تفكير القطيع"، حيث يخشى المحللون الخروج عن الإجماع العام لتجنب الانتقاد.
- ◆تعقيد سلاسل الإمداد: لم تضع النماذج الكلاسيكية وزناً كافياً للصدمات اللوجستية العالمية التي أدت لاختناق العرض.
دروس من "خطأ التضخم العابر"
عندما أعلن الفيدرالي أن التضخم مجرد ظاهرة مؤقتة، بنى قراره على أن نقص العمالة والمواد سينتهي بسرعة مع إعادة فتح الاقتصاد. لكن ما حدث هو أن السيولة الضخمة الناتجة عن حزم التحفيز، جنباً إلى جنب مع تغير سلوك المستهلك، خلقت ضغوطاً تضخمية هيكلية.
هذا الفشل في التشخيص لم يكن مجرد خطأ أكاديمي، بل كان له ثمن باهظ دفعه المستثمرون والمستهلكون على حد سواء، حيث اضطر الفيدرالي لاحقاً لرفع أسعار الفائدة بوتيرة هي الأعنف منذ عقود، مما تسبب في تقلبات حادة في أسواق الأسهم والسندات.
ما الذي يجب على المستثمر فعله؟
بالنسبة للمستثمر الذكي في المنطقة العربية أو الأسواق العالمية، فإن الاعتماد الكلي على تصريحات البنوك المركزية قد يكون مخاطرة غير محسوبة. الدرس المستفاد هنا هو أن "الخبرة الأكاديمية" لا تعني دائماً "الدقة في التوقع".
يجب على المستثمرين تنويع مصادر معلوماتهم وعدم الاكتفاء بالبيانات الرسمية. الأسواق تتحرك بناءً على الواقع الميداني وتدفقات السيولة الفعلية، وليس بناءً على تطلعات واضعي السياسات الذين غالباً ما يكونون آخر من يعترف بتغير الاتجاهات الاقتصادية الكبرى.
نظرة مستقبلية: هل تتحسن النماذج؟
هناك حراك حالي داخل المؤسسات المالية لإعادة النظر في كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة (Big Data) لتعويض قصور النماذج الاقتصادية التقليدية. ومع ذلك، يظل العنصر البشري والمفاجآت الجيوسياسية هما المتغيران اللذان لا يمكن لأي عدد من الحاصلين على الدكتوراه ضبطهما تماماً.
إن التواضع أمام تقلبات السوق هو ما يحتاجه صناع القرار اليوم، بدلاً من التمسك بنظريات أثبتت الأيام أنها قد تكون بعيدة كل البعد عن نبض الشارع وحركة التجارة العالمية. الأزمة القادمة قد لا تأتي من حيث يتوقع الخبراء، بل من الزوايا المظلمة التي تتجاهلها نماذجهم "المثالية".