أسطورة "المدافع" عن السوق الحر
ارتبط اسم ألان جرينسبان لسنوات طويلة بالفكر الرأسمالي المتشدد، حيث نُظر إليه كأحد تلامذة الفيلسوفة آين راند المؤمنين بالأسواق المفتوحة والحد الأدنى من تدخل الدولة. ومع ذلك، تكشف مراجعة مسيرته المهنية الطويلة، خاصة خلال ترؤسه لـ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، عن نمط مختلف من السلوك. فلم يكن جرينسبان دائماً ذلك الأيديولوجي المتمسك بمبادئه، بل ظهر في كثير من المحطات كشخصية "انتهازية" بامتياز، تختار المسار الذي يضمن لها الاستمرار في السلطة والحفاظ على توازنات القوى السياسية في واشنطن.
بالنسبة للمستثمر في منطقة الشرق الأوسط، فإن فهم هذه الحقبة ضروري لأن سياسات جرينسبان هي التي أرست قواعد "التدخل السريع" للبنوك المركزية، وهو النهج الذي لا يزال يؤثر على قرارات مصرف الإمارات المركزي وساما (البنك المركزي السعودي) حتى يومنا هذا، نظراً لارتباط العملات الخليجية بالدولار.
سياسة "الرجل القوي" وتناقض الأفعال
رغم تصريحاته العلنية التي تمجد الذهب والتحذير من التضخم، قاد جرينسبان فترة من التوسع الائتماني غير المسبوق. لقد كان بارعاً في استخدام منصبه لإرضاء الإدارات السياسية المتعاقبة، سواء كانت جمهورية أو ديمقراطية. هذا التناقض يظهر بوضوح في:
- ◆تبنيه لسياسات خفض الفائدة الحاد عند حدوث أي هزات في السوق، ما عُرف لاحقاً بـ "Greenspan Put".
- ◆السماح بتضخم "فقاعة التكنولوجيا" في أواخر التسعينيات دون تدخل جاد.
- ◆تشجيع التوسع في القروض العقارية عالية المخاطر التي مهدت للأزمة المالية العالمية في 2008.
تداعيات إرث جرينسبان على "تاسي" والأسواق العالمية
إن الإرث الذي تركه جرينسبان يتجاوز الحدود الأمريكية ليصل إلى أسواق الخليج. فعندما يتبنى الفيدرالي سياسة نقدية متساهلة، تتدفق السيولة العالمية نحو الأسواق الناشئة والحدودية، مما ينعكس إيجاباً على مؤشرات مثل تاسي (السوق السعودي) وسوق دبي المالي.
لكن هذا الإرث يحمل وجهاً مظلماً؛ فالاعتماد المفرط على "السيولة الرخيصة" الذي بدأه جرينسبان خلق حالة من الإدمان لدى المستثمرين على التدخل الحكومي. واليوم، يراقب المستثمر السعودي والمستثمر الإماراتي بيانات التضخم الأمريكية بحذر، لأن نموذج جرينسبان في التعامل مع الأزمات ضيق الخناق على البنوك المركزية الحالية، مما يجعل هوامش المناورة لـ اقتصادات الخليج مرتبطة بشكل وثيق بمزاج صانع القرار في واشنطن.
دروس للمستثمر العربي من حقبة "المايسترو"
تُعلمنا تجربة جرينسبان أن العناوين البراقة عن "حرية السوق" قد تخفي وراءها سياسات تدخلية تخدم مصالح ضيقة. يجب على المستثمر في دول مجلس التعاون الخليجي أن يدرك:
- 01أن البنوك المركزية ليست دائماً محايدة، وقراراتها قد تكون سياسية بامتياز.
- 02أن الفقاعات المالية غالباً ما تُصنع في مكاتب صناع السياسة النقدية قبل أن تظهر في شاشات التداول.
- 03أهمية التنويع بعيداً عن الأصول المرتبطة حصراً بالدولار، وهو توجه نراه بوضوح في تحركات صندوق الاستثمارات العامة (PIF) الذي يستثمر في قطاعات تقنية ولوجستية متنوعة لتقليل المخاطر السيادية.
إن التشكيك في صورة جرينسبان كـ "منقذ للاقتصاد" يسلط الضوء على ضرورة البحث عن القيمة الحقيقية للأصول، بعيداً عن ضجيج السياسات النقدية المتقلبة التي بدأت في عهده ولا نزال نعيش تبعاتها حتى اليوم.
#ألان_جرينسبان #الاحتياطي_الفيدرالي #السياسة_النقدية #تاريخ_الاقتصاد #الأسواق_المالية #اقتصاد_أمريكا #الفائدة #تاسي #سوق_دبي #الأسواق_الخليجية #المستثمر_السعودي #الاقتصاد_العالمي #StepInvest #أخبار_المال #الاستثمار_الخليجي